تقرير يرصد ازمة اختراق الميليشيات للمؤسسات الليبية

وصفها بالقنبلة الموقوتة

يسعى الليبيون إلى استعادة الأمن والأمان لبلادهم،لكن هناك عدد من التحديات والمعوقات  التي فرضتها سنوات الاضطراب الواسع الذي عانى منه البلد منذ عام 2011،من أهمها ما يرتبط بـالاختراقات الميليشياوية لمؤسسات الدولة وسيطرتهم على مناصب قيادية بها، بما يضمن لهم البقاء والتحكم في مفاصل الدولة حتى في مستقبل ليبيا.

ويعتبر ذلك التغلغل الميليشياوي بمناصب رسمية ليبية ضمن جملة المعضلات التي تواجه المشهد الليبي، وهو ما عبّر عنه تقرير حقوقي صدر مؤخراً في القاهرة، تحت عنوان “تمكين الإرهابيين في المناصب القيادية في ليبيا .. نماذج يجب ألا تتكرر مستقبلا”، وهو التقرير الذي رصد نماذج لمرتزقة و”عناصر إرهابية” تم توظيفهم في مناصب قيادية ليبية خلال فترة حكومة الوفاق.

يأتي ذلك في الوقت الذي اعتبر فيه التقرير الصادر عن مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان ضمن فعاليات الدورة 46 لمجلس حقوق الإنسان، أن “معضلة المرتزقة هي إحدى أكبر المعضلات التي ألقت بظلالها على الأزمة الليبية الدائرة رحاها منذ أكثر من 10 سنوات، بل وتعتبر إحدى مسببات طول أمد الصراع، خاصة مع وجود دول وأطراف داخلية تقدم الدعم اللوجيستي والغطاء السياسي للإرهابيين”.

وعدّدَ التقرير أوجه تمكين “المرتزقة” بمراكز قيادية على أيدي حكومة الوفاق، ومن بين تلك الأوجه عميلات التجنيس التي تمت لعدد من المرتزقة الأجانب “بما يمهد الطريق ليكونوا جزءاً من مستقبل العملية السياسية في ليبيا”.

وسلط التقرير الضوء على “استخدام تركيا لهؤلاء المرتزقة سياسياً؛ إما للزج بهم في المعارك بالوكالة، أو للمساومة بشأنهم في مستقبل ليبيا”.

وفي غضون ذلك، فإن المحلل السياسي الليبي سعيد رشوان، يقول في تصريحات لموقع سكاي نيوز عربية، إن تسلل تلك المجموعات (الميليشياوية) إلى مناصب مسؤولة وحتى قيادية في مؤسسات الدولة جاء نتيجة الأوضاع السياسية التي عانى منها البلد منذ العام 2011، ما مكنهم من السيطرة على الأمن والاقتصاد والمصارف ومختلف المؤسسات المهمة “حتى أن المصرف المركزي الآن تم رصد 25 وظيفة من مجموعات مستوردة من الخارج غير معروفة للبيبيين”، على حد قوله.

ويلفت إلى أن “الوجود الميليشياوي يعيق استقرار الدولة والتنمية والمصالحة”، مردفاً: “نتمنى بعد أن تم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الجديدة أن تعمل على إبعاد هذه الميليشيات والعناصر المرتبطة بها بمؤسسات الدولة، وأن تعمل على نزع السلاح والإمكانات المتوافرة لديهم (..) وأن نرى خطوات ملموسة في هذا الإطار في سياق مكافحة ظاهرة الفساد التي تفشت في المجتمع، ومع استخدام تلك المجموعات الأموال الليبية واستباحتها في سبيل أن تبقى موجودة في الإدارة”.

 

ودعا التقرير الحقوقي الأطراف الداخلية وكذلك الدولية التي تقدم العون للإرهابيين والمرتزقة إلى أن “ترفع الغطاء عنهم؛ لكشفهم أمام الرأي العام المحلي والدولي”. واعتبر أنه “إذا لم تتحمل جميع الأطراف مسؤوليتها في كشف هؤلاء، فقد يتكرر نفس الأمر مستقبلاً، كما أنه يهدد البنية الديمغرافية للمجتمع الليبي، ويحولها إلى بؤرة صراع دائمة في المنطقة العربية، وأنه ينبغي على الدول أصدقاء ليبيا، خاصة دول الجوار، تكثيف الدعم العسكري وبناء الخبرات الإدارية والسياسية لمواجهة هؤلاء المرتزقة والإرهابيين”.

ويأتي ذلك في الوقت الذي تعكس فيه تصريحات رشوان لموقع سكاي نيوز عربية، حقيقة أن القطاعات الاقتصادية هي الأكثر اختراقاً من قبل تلك المجموعات “التي حرصت على التواجد بها لضمان السيطرة على أموال الليبيين وتوظيفا لصالحهم”، ولقد كان لذلك وفق المحلل السياسي الليبي أثراً مباشراً في الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والمالية العامة.

وهو ما أشار إليه التقرير أيضاً، والذي ذكر أن “حكومة الوفاق دأبت خلال الفترة السابقة -خاصة مع ضعف شوكتها في مواجهة الجيش الوطني الليبي- على تمكين مجموعة من الإرهابيين والمرتزقة في بعض المناصب القيادية، خاصة في قطاعي الأمن والاقتصاد؛ على اعتبار أنه من يسيطر على هذين القطاعين يسيطر على ليبيا، فمن يتحكم في أمن البلاد، يمكنه أن يدخلها في نفق الفوضى إن أراد، ومن يتحكم في الاقتصاد هو أيضاً من يتحكم في النفط الذي هو عصب الاقتصاد، والمورد الاقتصادي الأساسي في الدولة”.

ووصف التقرير تلك العناصر المُخترِقة لمؤسسات الدولة الليبية بـ “القنبلة الموقوتة”، فيما تتزايد المخاوف من تهديد أمن ليبيا، وهو ما يهدد مستقبل البنية الأمنية الليبية على المدى الطويل، وربما يهدد الهوية الوطنية الليبية، خاصة مع تزايد دور المرتزقة في الاختصاصات الأمنية، لا سيما في غرب ليبيا، وضمهم إلى وزارة الداخلية. وهو ما يجعلهم بمثابة قنبلة موقوتة في الداخل الليبي، تجعل البلد على شفا الحرب الأهلية طوال الوقت. فهم لم يمارسوا السياسة من خلال أروقتها الشرعية، وإنما جاؤوا محمولين على ظهور الدبابات، ولا يعرفون لغة سوى لغة الحرب والعنف.

وتضمن التقرير رصداً بأبرز الأسماء الذين تم تعيينهم في مناصب قيادية، من بينهم مناصب وزارية سابقة، ومراكز مؤثرة في الاقتصاد والأمن، محذراً من مغبة تكرار تلك التجربة في مستقبل ليبيا، ومن أثر هؤلاء على الأمن والاستقرار داخل البلد الذي يتحسس طريقه للاستقرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.